ابن رشد

62

تهافت التهافت

قبله . والعدم يتقدم عليه والعالم متأخر عنه ، لأن المتقدم والمتأخر في الحركة لا يفهمان إلا مع الزمان . والذي يدخل هذا القول من الاختلال هو إن أخذت المقايسة بين اللّه تعالى والعالم . فمن هذه الجهة فقط يبطل هذا القول ، ولا يكون برهانا ، أعني الذي حكاه عن الفلاسفة . قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة عن المتكلمين في معارضة هذا القول : قلنا : المفهوم الأصلي من اللفظين وجود ذات ، وعدم ذات . والأمر الثالث الذي فيه افتراق اللفظين ، نسبة لازمة بالإضافة إلينا ، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل ، ثم قدرنا له بعد ذلك وجودا ثانيا ، لكنا عند ذلك نقول : كان اللّه تعالى ولا عالم . ويصح قولنا ، سواء أردنا به العدم الأول ، أو العدم الثاني الذي هو بعد الوجود . وآية ذلك أن نسبته إلى المستقبل بعينه يجوز أن يصير ماضيا فيعبر عنه بلفظ الماضي . وهذا كله لعجز الوهم عن توهم موجود مبتدأ ، إلا مع تقدير قبل له . وذلك القبل الذي لا ينفك الوهم عنه ، يظن أنه شيء محقق موجود ، هو الزمان . وهو كعجز الوهم عن أن يقدر تناهي الجسم في جانب الرأس مثلا ، إلا على سطح له فوق ، فيتوهم أن وراء العالم مكانا ، إما ملاء وإما خلاء . وإذا قيل : ليس فوق سطح العالم فوق ، ولا بعد أبعد منه ، امتنع الوهم من الإذعان لقبوله . كما إذا قيل : ليس قبل وجود العالم قبل ووجود محقق ، نفر عن قبوله . وكما جاز أن يكذب الوهم في تقديره فوق العالم خلاء هو بعد لا نهاية له بأن يقال له : الخلاء ليس مفهوما في نفسه ، وأما البعد فهو تابع للجسم الذي تتباعد أقطاره . فإذا كان الجسم متناهيا ، وانقطع الملاء والخلاء غير مفهوم . فثبت أن ليس وراء العالم ، لا خلاء ولا ملاء ، وإن كان الوهم لا يذعن لقبوله . فكذلك يقال : كما أن البعد المكاني تابع للجسم ، فكذلك البعد الزماني تابع للحركة ، فإنه امتداد الحركة ، كما أن ذلك امتداد أقطار الجسم . وكما أن الدليل على تناهي أقطار الجسم منع من إثبات بعد مكاني وراءه ، فقيام الدليل على تناهي الحركة من طرفيه ، يمنع من تقدير بعد زماني وراءه . وإن كان الوهم متشبثا بخياله وتقديره ، ولا يرعوي عنه . ولا فرق بين البعد الزماني الذي تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى « قبل » و « بعد » ، وبين البعد المكاني الذي تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى فوق وتحت . فإن جاز إثبات فوق لا فوق فوقه ، جاز إثبات قبل ليس قبله قبل محقق ، إلا خيال وهمي كما في الفوق . وهذا لازم ، فليتأمل ، فإنهم اتفقوا على أنه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء . قلت : حاصل هذا القول معاندتان : إحداهما : أن توهم الماضي والمستقبل اللذين هما القبل والبعد ، هما